حسن حنفي

89

من العقيدة إلى الثورة

ليس هو المعجزة ، فالمعجزة ليست دليلا ، والخبر يحتمل الصدق والكذب « 130 » . فلا يحتوى الوحي على معجزة من فعل النبي أي دليل خارجي دون تصديق داخلي . ولا يكفى مجرد الخبر دون صحة تاريخية مشروطة بالتواتر . ليست المعجزة دليلا خارجيا يمكن الاعتماد عليه والتصديق به بل مجرد شاهد خارجي على قدرة الرسول لا يمكن التحقق من صدقها الا بدليل الحس وبداهة العقل وشهادة الوجدان . المعجزة برهان خارجي وليست برهانا داخليا ، والتصديق لا يكون خارجيا ، ولا يكون الا داخليا . ليست المعجزة دليلا على صدق خاتم الرسل ، في آخر مرحلة من مراحل الوحي بل دليل الوحي ذاته من النواحي الأدبية والفكرية والتشريعية . وليس ذلك معجزة بل اعجازا . ربما قامت المعجزات في المراحل السابقة للوحي لايقاظ الشعور ، وتحريره من سيطرة القوى المادية والسياسية ، ولكنها لا تستطيع أن تحرر الشعور بطريقة أبقى ، أكثر دواما ، وأشد رسوخا . بل إن المعجزة بوضعها القديم تأخذ مدلولا جديدا وهي قدرة الانسان المطلقة على الفعل ، وتخطى العقبات وعلى عدم وجود المستحيل أمامه . الرسول هو القدوة في تطبيق الوحي ، والنموذج الأول لهذا التطبيق والتجربة الرائدة في هذا المجال . ان دليل النبي هو صدق رسالته بتطابق ما يأتي به مع العقل والواقع ومصالح الناس . فالدليل ليس خارجيا من المرسل ، بل داخليا ، من الرسالة ذاتها . ليس دليلا خارجيا من معجزة أو بتدخل إرادة خارجية من الله أو من الرسول أيا كانت في قلوب المؤمنين لاحداث التصديق بل دليل داخلي ينبع من طبيعة العقل وشهادة الواقع . ليس نظام الوحي معجزا بمعنى عدم قدرة الانسان على الاتيان بمثله إذ يستطيع الانسان

--> ( 130 ) قال بعض الأباضية لا يرسل الله نبيا الا إذا نصب دليلا عليه ، ولا بد من أن يدل عليه واحدا ، مقالات ج 1 ص 173 ، كما أجمعت المعتزلة على أنه لا يجوز قول النبي الا بحجة وبرهان ، وأنه لا تلزم شرائعه الا من شاهد أعلامه وانقطع عذره ممن بلغه شرائع الرسول ، مقالات ج 1 ص 271 - 272 .